الشبكة مسجلة لدى وزارة الثقافة و الاعلام


Google


العودة   الشبكة العامة لقبائل الحويطات - المنبر الاعلامي و المرجع الرسمي المعتمد > "" المنتديات الاسلامية "" > منتدى الإســـلام والعلم والإيـمــان

منتدى الإســـلام والعلم والإيـمــان خاص بالمواضيع الاسلامية و الفتاوى الشرعية و الاحاديث النبوية الشريفة و كل ما يخص المسلم في امور دينه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 18-12-09, 09:34 PM   المشاركة رقم: 1
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
اعضاء الشرف
الرتبة:

 

البيانات
التسجيل: Mar 2008
العضوية: 4062
المشاركات: 5,172 [+]
بمعدل : 0.81 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 731
نقاط التقييم: 10
أبوسليم is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
أبوسليم غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
اخر مواضيعي
 


المنتدى : منتدى الإســـلام والعلم والإيـمــان
افتراضي ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ﴾ و حكم بناء المساجد على القبور

بسم الله الرحمن الرحيم


في رد شبهة قبوري بآية :
﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ﴾ [ الكهف : 21 ]


بقلم : فضيلة الشيخ الدكتور محمد علي فركوس - حفظه الله -



الحمدُ لله ربِّ العالمين ، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين ، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين ، أمَّا بعد :


ففي محاولة الهجوم على دعوة التوحيد وتحقير الدعاة إليه وتهوين مكانتهم ، وجعل قضية المساجد التي بها قبور قضية فقهية فرعية لا ترقى في أن تكون سببًا للتهوين في التفريق بين المسلمين والتنابز بالألقاب والتباعد والهجران ، وفي ظل تعظيم القبور والمشاهد والأضرحة تولى من يؤيِّد تشييد المساجد عليها واعتبار أن الصلاة فيها تصل إلى درجة الاستحباب بالانتصار لهذا المعتقد بشبهة من آية من سورة الكهف في قوله - تعالى - : ﴿ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ﴾ [ الكهف : 21 ] ، حيث قال - هداه الله - :

« ووجه الاستدلال بالآية أنَّها أشارت إلى قصَّة أصحاب الكهف ، حينما عثر عليهم الناس ، فقال بعضهم : نبني عليهم بُنيانًا ، وقال آخرون : لنتَّخذنَّ عليهم مسجدًا .
والسياق يدلُّ على أنَّ الأَوَّل : قول المشركين ، والثاني : قول الموحِّدين ، والآية طرحت القولين دون استنكار ، ولو كان فيهما شيء من الباطل لكان من المناسب أن تشير إليه ، وتدلُّ على بطلانه بقرينة ما ، وتقريرها للقولين يدلُّ على إمضاء الشريعة لهما ، بل إنَّها طرحت قول الموحِّدين بسياقٍ يفيد المدح ، وذلك بدليل المقابلة بينه وبين قول المشركين المحفوف بالتشكيك ، بينما جاء قول الموحِّدين قاطعًا ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ ﴾ نابعًا من رؤية إيمانية ، فليس المطلوب عندهم مجرَّد البناء ، وإنَّما المطلوب هو المسجد . وهذا القول يدلُّ على أنَّ أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله معترفين بالعبادة والصلاة .

قال الرازي في تفسير ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴾ :نعبد الله فيه ، ونستبقي آثارَ أصحاب الكهف بسبب ذلك المسجد ( «تفسير الرازي» (11/106) ) .

وقال الشوكاني : ذكر اتخاذ المسجد يُشعر بأنَّ هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم هم المسلمون ، وقيل : هم أهل السلطان والملوك من القوم المذكورين ، فإنهم الذين يغلبون على أمر من عداهم ، والأوَّل أولى («فتح القدير» في التفسير للشوكاني (3/277) ) .

وقال الزجاجي : هذا يدلُّ على أنَّه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث والنشور ؛ لأنَّ المساجد للمؤمنين . هذا بخصوص ما ذكر في كتاب الله فيما يخصُّ مسألة بناء المسجد على القبر » .


وبعد الأمانة في النقل أقول - وبالله التوفيق والسداد - :

فلا دلالة في الآية على جواز الصلاة بالمسجد الذي به ضريح أحدِ الأنبياء عليهم السلام أو الصالحين ، بَلْهَ أن تصل إلى درجة الاستحباب ؛ لأنَّ غاية ما يدل عليه أنَّ الذين اتخذوا مسجدًا على قبور الصالحين كانوا من النصارى الذين لعنهم النبيُّ - صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم - كما صرَّح به غير واحدٍ من أهل التفسير ، وقد بَيَّن النبيُّ - صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم - إنكاره هذا الصنيع المسنون لليهود والنصارى في أربعة عشر حديثًا منها :


- حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت : قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم - في مرضه الذي لم يقم منه : « لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ » . لَوْلاَ ذَلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أن يُتخذَ مَسجدًا ( أخرجه البخاري : كتاب الجنائز ، باب ما جاء في قبر النبي وأبي بكر وعمر فأقبره : (1324) ، ومسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة : (1184) ) .

- وعن عائشة وابن عباس - رضي الله عنهم - قَالاَ : لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولَ اللهِ ، طَفِقَ يَطْرَحُ خمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ ، فَقَالَ وَهُوَ كَذلِكَ : « لَعْنَةُ اللهُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارى . اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ » يُحَذِّرُ مِثْلَ الَّذِي صَنَعُوا ( أخرجه البخاري : كتاب المساجد ، باب الصلاة في البيعة : (425) ، ومسلم ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة : (1187) ) .

- وعن جندب بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه - أنه سَمِعَ النَّبِيَّ ، قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ ، وَهُوَ يَقُولُ : « ... أَلاَ وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ ، أَلاَ فَلاَ تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ . إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذٰلِكَ » ( أخرجه مسلم ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة : (1188) ) .

- وعن عائشة - رضي الله عنها - : لَمَّا كانَ مَرَضُ رسولِ الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - تَذَاكَرَ بعضُ نسائِهِ كنيسةً بأرضِ الحَبَشَةِ يقال لها مَارِيَةُ ، وقد كانتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيْبَةَ - رضي الله عنهما - قد أَتَتَا أرضَ الحَبَشَةِ فَذَكَرْنَ من حُسْنِهَا وتصاوِيْرِهَا قالتْ : فقالَ النبيُّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - : « إنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيْهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ ، أُولِئَِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ » ( أخرجه البخاري : كتاب المساجد ، باب الصلاة في البيعة : (424) ، ومسلم ، كتاب المساجد ومواضع الصلاة : (1181) ، واللفظ للبيهقي في « السنن الكبرى » : (7321) ).

قال القرطبي - رحمه الله - : « قال علماؤنا : ففعل ذلك أوائلهم ليتأنَّسوا برؤية تلك الصُّوَر ويتذكَّروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله - عزَّ وجلَّ -عند قبورهم ، فمضت لهم بذلك أزمان ، ثمَّ أنهم خَلَف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم ، ووسوس لهم الشيطان أنَّ آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها ؛ فحذَّر النبيُّ - صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم - عن مثل ذلك ، وشدَّد النكير والوعيد على من فعل ذلك ، وسدَّ الذرائع المؤدِّية إلى ذلك ، فقال : " اشتدَّ غضب الله على قوم ٱتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد " »( « تفسير القرطبي » (2/85) (10/380) ) .

وقال ابن رجب - رحمه الله - : « هذا الحديث يدلُّ على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين ، وتصوير صورهم فيها كما يفعله النصارى ، ولا ريب أنَّ كُلَّ واحدٍ منهما محرَّم على انفراد ، فتصوير صور الآدميِّين محرَّم ، وبناءُ القبور على المساجد بانفراده محرَّم كما دلَّت عليه النصوص أخرى يأتي ذكر بعضها ... فإن اجتمع بناء المسجد على القبور ونحوها من آثار الصالحين مع تصوير صورهم فلا شكَّ في تحريمه ، سواء كانت صورًا مجسّدة كالأصنام أو على حائطٍ ونحوه ، كما يفعله النصارى في كنائسهم ، والتصاوير التي في الكنيسة التي ذكرتها أم حبيبة وأم سلمة أنهما رأتاها بالحبشة كانت على الحيطان ونحوها ، ولم يكن لها ظل ، وكانت أم سلمة وأم حبيبة قد هاجرتا إلى الحبشة .

فتصوير الصور على مثل صور الأنبياء والصالحين ؛ للتبرك بها والاستشفاع بها محرم في دين الإسلام ، وهو من جنس عبادة الأوثان ، وهو الذي أخبر النبيُّ - صَلَّى الله عليه وسلم - أنَّ أهله شرار الخلق عند الله يوم القيامة .
وتصوير الصور للتآنس برؤيتها أو للتَّنَزُّه بذلك والتلهي محرَّم ، وهو من الكبائر وفاعله من أشدِّ الناس عذابًا يوم القيامة ، فإنه ظالم ممثل بأفعال الله التي لا يقدر على فعلها غيره ، والله - تعالى - ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [ الشورى : 11 ] ، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله سبحانه وتعالى » ( «فتح الباري» (3/197) ).

وقال الألوسي - رحمه الله - : « هذا ، واستدلَّ بالآية على جواز البناء على قبور الصلحاء واتخاذ مسجد عليها وجواز الصلاة فيها وممَّن ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في حواشيه على البيضاوي وهو قول باطلٌ عاطلٌ فاسدٌ كاسدٌ فقد روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم - : « لَعَنَ اللهُ تَعَالَى زَائِرَاتِ القُبُورِ وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرَجَ » ( أخرجه أبو داود (3236) ، والترمذي (320) ، والنسائي (2043) ، وأحمد (3108) ، من حديث أبي صالح عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ، والحديث بهذا السياق ضعيف ، قال ابن رجب الحنبلي في « فتح الباري » (3/201) : « وقال مسلم في كتاب التفصيل : هذا الحديث ليس بثابت ، وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه ، ولا يثبت له سماع من ابن عباس » . لكن ورد له شواهد تقويه في « لعن زائرات القبور » ، مثل الحديث الذي أخرجه الترمذي (1056) وغيره : « لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ زَوَّارَاتِ القُبُورِ » ، وأخرى في « اتخاذ المساجد على القبور » وقد تواتر ذلك عنه - صلى الله عليه وآله وسلم - . انظر: « الإرواء » (3/212) ، و « السلسلة الضعيفة » (1/393) للألباني )... إلى غير ذلك من الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة .

وذكر ابن حجر في « الزواجر » ( « الزواجر » للهيثمي (194) في الكبيرة الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة والتسعون : اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها واتخاذها أوثانًا ، والطواف بها واستلامها والصلاة إليها ) : « أنه وقع في كلام بعض الشافعية عدّ اتخاذ القبور مساجد والصلاة إليها واستلامها والطواف بها ونحو ذلك من الكبائر » ( « تفسير الألوسي » (11/196) ) .

قلت : وليس النهي منقولاً عن الشافعية فقط بل عند كافَّة المذاهب ، فمن ذلك ما قاله القرطبي المالكي - رحمه الله - في معرض إيراده حديث عائشة - رضي الله عنها- : « قال علماؤنا : وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد » ( « تفسير القرطبي » (10/380) ) .

وقال ابن قدامة الحنبلي - رحمه الله - : « ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر ، ولأنَّ النبيَّ - صَلَّى الله عليه وآله وسلم - قال : « لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ » يحذر ما صنعوا ... ، ولأنَّ تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها ، والتقرُّب إليها ، وقد روينا أنَّ ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عندها » ( « المغني » (1/360) ) .

وقال الزيلعي الحنفي - رحمه الله - : « ويكره أن يبنى على القبر أو يقعد عليه أو ينام عليه أو يوطأ عليه أو يقضى عليه حاجة الإنسان ... أو يصلى إليه أو يصلى بين القبور ... ونهى - عليه الصلاة والسلام - عن اتخاذ القبور مساجد » ( « تبيين الحقائق » للزيلعي (1/246) ) .

وهكذا صرَّح عامَّة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها مُتابعةً منهم للسُّنَّة الصحيحة الصريحة من غير اختلافٍ بين الأئمة المعروفين ، قال ابن تيمية - رحمه الله - : « ويحرم الإسراج على القبور ، واتخاذ المساجد عليها وبنيها ويتعيَّن إزالتها، ولا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين » ( « اختيارات ابن تيمية » للبعلي (81) ) .

هذا ، وإن كان المنقول عن طائفة أهل العلم أطلقت الكراهة على بناء المساجد على القبور ، فإنه ينبغي أن تحمل على الكراهة التحريمية إحسانًا للظنِّ بالعلماء لئلاَّ يُظنَّ بهم أنهم يجوزون نهيًا تواتر عن رسول الله - صَلَّى الله عليه وآله وسلم - أنّه لَعَن فاعله وشدَّد النكير والوعيد على فعله .

فالحاصل أنه اجتمع في اتخاذ القبور مساجد فتنتين وقع بسببها الضلال والانحراف العقدي :

الأولى : فتنة القبور ، وهي أعظم الفتنتين ومبتدأها حيث عظموها تعظيمًا مبتدعًا آل بهم إلى الشرك .

الثانية : فتنة التماثيل والصور التي وضعت للتأسي والتذكار ثمَّ نسي القصد وآل بهم الأمر إلى عبادتها .

فكان المغضوب عليهم والضالون يبنون المساجد على قبور أنبيائهم وصالحيهم ، وقد جاءت النصوص الصحيحة والصريحة متواترة عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بنهي أُمَّته عن ذلك والتغليظ فيه في غير موطن حتى في وقت مفارقته الدنيا .

قال ابن القيم - رحمه الله - : « وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه ، وفهم عن الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - مقاصده ، جزم جزمًا لا يحتمل النقيض أنَّ هذه المبالغة منه باللعن والنهى بصيغتيه : صيغة : « لا تفعلوا » ، وصيغة : « إني أنهاكم » ليس لأجل النجاسة ، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه ، وارتكب ما عنه نهاه ، واتبع هواه ، ولم يخش ربه ومولاه ، وقلّ نصيبه أو عدم عن تحقيق شهادة أن لا إله إلاَّ الله . فإنَّ هذا وأمثاله من النبيِّ - صَلَّى الله عليه وآله وسلم - صيانةً لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه ، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه . فأبى المشركون إلا معصية لأمره ، وارتكابًا لنهيه ، وغرَّهم الشيطان . فقال : بل هذا تعظيم لقبور المشايخ والصالحين . وكُلَّما كنتم أشدّ لها تعظيمًا ، وأشدّ فيهم غلوًّا ، كنتم بقربهم أسعد ، ومن أعدائهم أبعد .

ولعمر الله، من هذا الباب بعينه دخل على عبَّاد يغوث ويعوق ونسر ، ومنه دخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة . فجمع المشركون بين الغلو فيهم ، والطعن في طريقتهم وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقتهم ، وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها : من العبودية وسلب خصائص الإلهية عنهم ، وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم » ( « إغاثة اللهفان » (1/189) ) .

هذا، وعلى فرض أنَّ الذين غلبوا على أمرهم - في الآية - لم يكونوا نصارى فلا يتمُّ التسليم بأنهم كانوا مؤمنين ، بل هم الملوك والولاة كما ذكر ذلك ابن رجب وابن كثير والآلوسي وغيرهم ( انظر : « روح المعاني » للآلوسي (15/236). « فتح الباري » لابن رجب (3/194). و « تفسير ابن كثير » (3/78) ) ، وقد كانوا أهل شرك أو فجور ، حيث إن لفظة « لَنَتَخِذَنَّ » تلائم أهل القهر والغلبة من الملوك والولاة ، دون « اتخذوا » بصيغة الطلب المعبر بها الطائفة الأولى ؛ ذلك لأنَّ مثل هذا الفعل تنسبه الولاة إلى نفسها ، وضمير « أَمْرهِمْ » هنا للموصول المراد به الولاة ، ومعنى غلبتهم على أمرهم : أنهم إذا أرادوا أمرًا لم يتعسَّر عليهم ، ولم يحل بينه وبينهم أحد ، كما قال - تعالى - : ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [ يوسف : 21 ] .

قال ابن رجب - رحمه الله - : « فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور ، وذلك يشعر بأن مستنده القهر والغلبة واتباع الهوى ، وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما أنزل الله على رسله من الهدى » ( « فتح الباري» (3/194)).


قلت : وليس في الآية إقرار على فعلهم ، بل فيها إنكار ، لأنه يكتفى في الردِّ على الكفار أو الفجار عزو حكاية القول إليهم ، إذ المعلوم - أصوليًّا - أنَّ من شرط الإقرار أن لا يكون المسكوت عنه صادرًا من كافر أو فاجر فلا عبرة فيه لما علم بالضرورة إنكاره - صَلَّى الله عليه وآله وسلم - لما يفعله الكفار والفجار ، كما أنَّ من شرط الإقرار أن لا يكون الشارع قد بَيَّن حكمه بيانًا يسقط عنه وجوب الإنكار وقد لعنهم الله - تعالى - على لسان نبيِّه - صَلَّى الله عليه وآله وسلم - فأيُّ إنكار أوضح من هذا ؟
وإذا سلَّمنا - جدلاً - أنهم كانوا مسلمين فلا يتمُّ التسليم بأنَّ فعلهم محمودٌ شرعًا ورد - على وجه الصلاح - تمسُّكًا بشريعة نبي مرسل .

قال ابن كثير - رحمه الله - بعد ما حكى عن ابن جرير القولين : « والظاهر أن الذين قالوا ذلك هم أصحاب الكلمة والنفوذ ، ولكن هل هم محمودون أم لا ؟ فيه نظر ؛ لأنَّ النبيَّ - صَلَّى الله عليه وآله وسلم - قال : « لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ واَلنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ » يحذر ما فعلوا ، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه لما وجد قبر دانيال في زمانه بالعراق ، أمر أن يخفى عن الناس ، وأن تدفن تلك الرقعة التي وجدوها عنده ، فيها شيء من الملاحم وغيرها » ( « تفسير ابن كثير » (3/78) ) .

وعلى تقدير أنهم أهل إيمان وصلاح ، ووقع صنيعهم محمودًا بالنظر لتمسكهم بشريعة نبي مرسل ، فجوابه من جهتين :

الجهة الأولى : لا يلزم الأخذ بمضمون الآية الدالة على جواز بناء المسجد على القبر ؛ لأنَّ ما تقرر - أصوليا - « أنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعٌ لَنَا » ، ولا يحلُّ الحكم بشريعة نبيّ مَن قبلنا لقوله - تعالى - : ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ [ المائدة : 48 ] ، ولقوله - صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم - : « فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ » فذكر منها : « أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً ، وَأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ - بُعِثَ إِلَى الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ وَالنَّاسِ كَافَّةً » ( أخرجه مسلم ، كتاب «الصلاة» (1167) ، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - ، ورواية «الأحمر والأسود» أخرجها : الدارمي في «سننه» (2375) ، وأحمد (20792) ،من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - ، وأحمد كذلك : (2737) ، من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - . قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/261) : « رجال أحمد رجال الصحيح غير يزيد بن أبي زياد وهو حسن الحديث » ، وصححه أحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد» (4/261) ، والألباني في «الإرواء» (1/316) ) ، فدلَّ ذلك على أنه لم يبعث الله - تعالى - إلينا أحدًا من الأنبياء غير محمَّد - صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم - ، وإنما كان غيره يبعث إلى قومه فقط لا إلى غير قومه .

الجهة الثانية : وعلى تقدير أنَّ شرع من قبلنا شرع لنا فمشروط بعدم التصريح في شرعنا ما يخالفه ، ويبطله ، فإن ورد في شرعنا ما ينسخه لم يكن شرعًا لنا بلا خلاف ، كالأصرار والأغلال التي كانت عليهم في قوله - تعالى - : ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾ [ الأعراف : 157 ] ، وقد جاءت النصوص الحديثية متضافرةً ومتواترة تنسخ هذا الحكم وتنهى عن بناء المساجد على القبور وتغلِّظ النكير .

قال ابن تيمية - رحمه الله - : « فإنَّ الله تعالى قد أخبر عن سجود إخوة يوسف وأبويه وأخبر عن الذين غلبوا على أهل الكهف أنهم قالوا : ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا ﴾ ونحن قد نهينا عن بناء المساجد على القبور » ( « مجموع الفتاوى » (1/300).) .

وقال ابن كثير - رحمه الله - : « وهذا كان شائعاً فيمن كان قبلنا ، فأمَّا في شرعنا فقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله - صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم - أنه قال : « لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يحذر ما فعلوا » ( « البداية والنهاية » (2/116)) .

قال الآلوسي - رحمه الله - : « مذهبنا في شرع من قبلنا وإن كان أنه يلزمنا على أنه شريعتنا ، لكن لا مُطلقًا ، بل إن قصَّ اللهُ - تعالى - علينا بلا إنكار ، وإنكارُ رسوله - صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم - كإنكاره - عزَّ وجلَّ - ، وقد سمعتَ أنه - عليه الصلاة والسلام - لَعَنَ الذين يتخذون المساجد على القبور ، على أن كون ما ذكر من شرائع من قبلنا ممنوع ، وكيف يمكن أن يكون اتخاذ المساجد على القبور من الشرائع المتقدمة مع ما سمعت من لعن اليهود والنصارى حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، والآية ليست كالآيات التي ذكرنا آنفًا احتجاج الأئمة بها ، وليس فيها أكثر من حكاية قول طائفة من الناس وعزمهم على فعل ذلك ، وليست خارجة مخرج المدح لهم والحض على التأسِّي بهم ، فمتى لم يثبت أنَّ فيهم معصومًا لا يدل على فعلهم - فضلاً عن عزمهم - على مشروعية ما كانوا بصدده . وممَّا يقوِّي قِلة الوثوق بفعلهم القول بأنَّ المراد بهم الأمراء والسلاطين كما روي عن قتادة » ( « روح المعاني » (5/31) ) .

فالحاصل: إن كان بناء المساجد على القبور سُنَّة النصارى ، فإن كان شرعًا لهم فقد نسخه الإسلام بما نطقت الأخبار الصحيحة والآثار الصريحة ، وإن كان بدعةً منهم فأجدر بتركها والتخلي عنها إذ « كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلُّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ » ( أخرجه أبو داود ، كتاب السنة، باب في لزوم السنة (4607) ، والترمذي ، كتاب العلم ، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (2676) ، وابن ماجه ، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (42) ، وأحمد (17608) ، من حديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه - ، والحديث صححه ابن الملقن في «البدر المنير» (9/582) ، والألباني في «السلسلة الصحيحة» (2735) ، وحسَّنه الوادعي في «الصحيح المسند» (938) ) ، ولا يستدلُّ بالآية بمعزل عمَّا تقتضيه الأحاديث الثابتة اكتفاءً بالقرآن الكريم واستغناءً عن السُّنَّة المُطهَّرة فإنَّ هذا من صنيع أهل الأهواء والبدع ، وأهلُ الحقِّ يؤمنون بالوحيين ، ويعلمون أنَّ طاعة الرسول من طاعة الله - تعالى - ، ويعملون بمقتضاهما، قال - تعالى - : ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ ﴾ [ النساء : 80 ] ، وقال - صَلَّى الله عليه وآله وسلم - : « أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ القُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ » ( أخرجه أحمد (16722) ، من حديث المقدام بن معدي كرب - رضي الله عنه - . وأخرجه أبو داود كتاب السنة ، باب في لزوم السنة (4604) بلفظ : « أَلاَ إِني أُوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ » ، والحديث صححه الألباني في «المشكاة» (1/57) ) ، وفي روايةٍ : «أَلاَ وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ مِثْل مَا حَرَّمَ اللهُ » ( أخرجه أحمد (16743) ، والدارمي (592) ، من حديث المقدام بن معدي كرب - رضي الله عنه - . والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع» (8186) ) ، وفي سياق تمثيل من يكتفي بالقرآن ويستغني عن السُّنَّة ، يقول الألباني - رحمه الله - : « وما مثل من يستدلُّ بهذه الآية على خلاف الأحاديث المتقدِّمة إلاَّ كمثل من يستدلُّ على جواز صنع التماثيل والأصنام بقوله - تعالى - في الجِنِّ الذين كانوا مُذَلَّلِين لسليمان - عليه السلام - : ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ﴾ [ سبأ : 13 ] ، يستدل بها على خلاف الأحاديث الصحيحة التي تحرم التماثيل والتصاوير ، وما يفعل ذلك مسلمٌ يؤمن بحديثه - صَلَّى الله عليه وآله وسلم - » ( «تحذير الساجد» للألباني (83) ).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلّم تسليمًا.




الجزائر في : 16 المحرم 1430ﻫ
الموافق ﻟ :13 جانفي 2009م















عرض البوم صور أبوسليم   رد مع اقتباس
قديم 18-12-09, 09:37 PM   المشاركة رقم: 2
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
اعضاء الشرف
الرتبة:

 

البيانات
التسجيل: Mar 2008
العضوية: 4062
المشاركات: 5,172 [+]
بمعدل : 0.81 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 731
نقاط التقييم: 10
أبوسليم is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
أبوسليم غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
اخر مواضيعي
 


كاتب الموضوع : أبوسليم المنتدى : منتدى الإســـلام والعلم والإيـمــان
افتراضي

حكم التهنئة بالعام الهجري الجديد

علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف

السؤال:
ما حكم التهنئة برأس السنة الهجرية الجديدة فقد سمعنا أن هناك من المشايخ من يجيز ذلك؟

الجواب:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين أما بعد
فإنَّ التهنئة تكون على أحوال:
إمَّا أن تكون بما يُسَرُّ به المسلم مما يطرأ عليه من الأمور المباحة بكل ما فيه تجدد نعمة أو دفع مصيبة، كالتهنئة بالنكاح، والتهنئة بالمولود الجديد، والتهنئة بالنجاح في عمل أو دراسة، أوما شابه ذلك من المناسبات التي لا ارتباط لها بزمان معين، فهذا من الأمور العادية التي لا حرج فيها ، ولعل صاحبها يؤجر عليها لإدخاله السرور على أخيه المسلم فالمباح -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((بالنية الحسنة يكون خيراً، وبالنية السيئة يكون شراً)) فهذا بين الإباحة والاستحباب.
وإمَّا أن تكون التهنئة في أزمان معينة كالأعياد والأعوام والأشهر والأيام، وهذا يحتاج إلى بيان وتفصيل، وتفصيله كما يلي :
- أمَّا الأعياد -عيد الأضحى وعيد الفطر- فهذا واضح لا إشكال فيه وهو ثابت عن جمع من الصحابة.
- وأمَّا الأعوام فكالتهنئة بالعام الهجري الجديد أو ما يسمى رأس السنة الهجرية.
- وأمَّا الأشهر فكالتهنئة بشهر رمضان، وهذا له أصل والخلاف فيه مشهور.
- وأمَّا الأيام فكالتهنئة بيوم ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم أو بيوم الإسراء والمعراج وما شابه ذلك والحكم فيه معروف وهو من البدع لارتباطه بمناسبات دينية مبتدعة.
وكل هذه التهاني ماعدا الأول منها لم يثبت فيها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة الكرام ولا عن أحدٍ من السلف مع أن موجبها انعقد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم و الصحابة رضي الله عنهم ولم يوجد المانع ومع ذلك لم يُنقل عن أحدٍ منهم أنه فعل ذلك بل قصروا التهنئة على العيدين فقط.

والتهنئة بالعام الجديد لم تكن معروفة عند السلف لكنْ لما شاعت في الأزمنة المتأخرة وسئل العلماء المعاصرون عنها اختلفوا على قولين:
الأول: الإباحة وأنها من العادات، ومن هؤلاء الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله حيث قال: (( أرى أن بداية التهنئة في قدوم العام الجديد لا بأس بها ولكنها ليست مشروعة بمعنى: أننا لا نقول للناس: إنه يسن لكم أن يهنئ بعضكم بعضاً، لكن لو فعلوه فلا بأس، وإنما ينبغي له أيضاً إذا هنأه في العام الجديد أن يسأل الله له أن يكون عام خيرٍ وبركة فالإنسان يرد التهنئة. هذا الذي نراه في هذه المسألة، وهي من الأمور العادية وليست من الأمور التعبدية)) (لقاء الباب المفتوح).
وله رحمه الله كلامٌ آخر ضبط فيه المسألة فقال في ((اللقاء الشهري)): ((إن هنّأكَ أحد فَرُدَّ عليه، ولا تبتدئ أحداً بذلك هذا هو الصواب في هذه المسألة، لو قال لك إنسان مثلاً نهنئك بهذا العام الجديد قل: هنأك الله بخير و جعله عام خير و بركة. لكن لا تبتدئ الناس أنت لأنني لا أعلم أنه جاء عن السلف أنهم كانوا يهنئون بالعام الجديد بل اعلموا أن السلف لم يتخذوا المحرم أول العام الجديد إلا في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه)) وقال في ((الضياء اللامع)) (ص702): ((ليس من السنة أن نُحدث عيداً لدخولالسنة الهجرية أو نعتاد التهاني ببلوغه)).انتهى
وقد نقل بعضهم في إباحة هذا الفعل كلاماً غير محرر للقمولي والسيوطي من متأخري الشافعية، و لأبي الحسن المقدسي من الحنابلة، أعرض عن ذكره خشية الإطالة.
الثاني: القول بالمنع مطلقاً، وهو الراجح، وممن قال به الشيخ صالح الفوزان حيث سئل عن التهنئة بالعام الهجري الجديد فأجاب: ((لا نعرف لهذا أصلاً، والتأريخ الهجري ليس المقصود منه هذا أن يجعل رأس السنة مناسبة وتُحيا ويصير فيها كلام وعيد و تهاني، و إنما جعل التأريخ الهجري من أجل تمييز العقود فقط، كما فعل عمر رضي الله عنه لما توسعت الخلافة في عهده، صارت تأتيه كتب غير مؤرخة، احتاج إلى أنه يضع تأريخاً تعرف به الرسائل و كتابتها، استشار الصحابة،فأشاروا عليه أن يجعل الهجرة مبدأ التأريخ الهجري، وعدلوا عن التأريخ الميلادي، مع أنه كان موجوداً في وقتهم، و أخذوا الهجرة و جعلوها مبدأ تاريخ المسلمين لأجل معرفة الوثائق و الكتابة فقط، ليس من أجل أن تتخذ مناسبة و يتكلم فيها، هذا يتدرج إلى البدع .
سؤال: إذا قال لي شخص : كل عام و أنتم بخير، فهل هذه الكلمة مشروعة في هذه الأيام ؟
جواب: لا، ليست بمشروعة و لا يجوز هذا)) أ.هـ انظر: ((الإجابات المهمة في المشاكل الملمة)) (ص229)
والناظر إلى هذه المسألة يجد أن القول بالمنع يتأيد بعدة وجوه فمن ذلك:
1- أنها تهنئة بيوم معين في السنة يعود كل عام فالتهنئة به تُلحقه بالأعياد ، وقد نُهينا أن يكون لنا عيد غير الفطر والأضحى ، فتُمنع التهنئة من هذه الجهة.
2- ومنها أن فيها تشبهاً باليهود والنصارى وقد أُمرنا بمخالفتهم، أما اليهود فيهنئون بعضهم برأس السنة العبرية والتي تبدأ بشهر تشري وهو أول الشهور عند اليهود ويحرم العمل فيه كما يحرم يوم السبت، وأما النصارى فيهنئ بعضهم البعض برأس السنة الميلادية.
3- أن فيه تشبهاً بالمجوس ومشركي العرب، أما المجوس فيهنئون بعضهم في عيد النيروز وهو أول أيام السنة عندهم ومعنى (نيروز): اليوم الجديد، وأما العرب في الجاهلية فقد كانوا يهنئون ملوكهم في اليوم الأول من محرم كما ذكر ذلك القزويني في كتابه: ((عجائب المخلوقات)). وانظر لذلك كتاب: ((الأعياد وأثرها على المسلمين)) للدكتور سليمان السحيمي.
4- ومنها أن جواز التهنئة بأول العام الهجري الجديد يفتح الباب على مصراعيه للتهنئة بأول العام الدراسي وبيوم الاستقلال وباليوم الوطني وما شابه ذلك، مما لا يقول به بعض من أجاز التهنئة بأول العام، بل إن جواز التهنئة بهذه أولى حيث لم يكن موجبها منعقداً في زمن الصحابة رضي الله عنهم بخلاف رأس السنة.
5- ومنها أن القول بجواز التهنئة يفضي إلى التوسع فيها فتكثر رسائل الجوال وبطاقات المعايدة -وإن سموها بطاقات تهنئة- وعلى صفحات الجرائد ووسائل الإعلام، وربما صاحب ذلك زيارات للتهنئة واحتفالات وعطل رسمية كما هو حاصل في بعض الدول، وليس لمن أجاز التهنئة بأول العام الهجري الجديد وعدَّها من العادات حجة في منع هذا إذا اعتاده الناس وأصبح عندهم من العادات، فسدُّ هذا الباب أولى.
6- ومنها أن التهنئة بالعام الهجري الجديد لا معنى لها أصلاً، إذ الأصل في معنى التهنئة تجدد نعمة أو دفع نقمة، فأي نعمة حصلت بانتهاء عام هجري؟ والأولى هو الاعتبار بذهاب الأعمار ونقص الآجال.
وعليه فالقول بالمنع أولى وأحرى، وإن بدأك أحدٌ بالتهنئة فالأولى نُصحه وتعليمه لأن رد التهنئة فيه نوع إقرار له، وقياسها على التحية قياس مع الفارق!

والله أعلم















عرض البوم صور أبوسليم   رد مع اقتباس
قديم 19-12-09, 12:19 AM   المشاركة رقم: 3
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
موقوف

 

البيانات
التسجيل: Jan 2009
العضوية: 6331
المشاركات: 3,640 [+]
بمعدل : 0.60 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 0
نقاط التقييم: 10
ابو صلاح is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
ابو صلاح غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
اخر مواضيعي
 


كاتب الموضوع : أبوسليم المنتدى : منتدى الإســـلام والعلم والإيـمــان
افتراضي

مشكور أستاذ ابا سليم على الدرس القيم
تقبل مروري















عرض البوم صور ابو صلاح   رد مع اقتباس
قديم 19-12-09, 12:24 AM   المشاركة رقم: 4
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
غَرًوًكًـ،وًغَيُرٍوك
الرتبة:
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية فيصل العريان

 

البيانات
التسجيل: Nov 2008
العضوية: 5676
المشاركات: 256 [+]
بمعدل : 0.04 يوميا
اخر زياره : [+]
معدل التقييم: 230
نقاط التقييم: 10
فيصل العريان is on a distinguished road

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
فيصل العريان غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:
اخر مواضيعي
 


كاتب الموضوع : أبوسليم المنتدى : منتدى الإســـلام والعلم والإيـمــان
افتراضي

مشكور اخوي علي الدرس القيم

شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .















عرض البوم صور فيصل العريان   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
المساجد , القبور , بناء


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:18 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir

إنطلقت الشبكة في 2006/10/17 م - المملكة العربية السعودية - المؤسس / تيسير بن ابراهيم بن محمد ابو طقيقة - الموقع حاصل على شهادة SSL