غريب أمر بعض من ينتمون لتراب هذا الوطن ، ففي حين تدور رحى المواجهات مع المتسللين الحوثيين والذين يريدون زعزعة امن واستقرار هذا البلد الأمين ، نجد أن هناك من يقوم بعمليات مساعدة متسللين إلى الداخل لتقويض الأمن الذي نعيشه وهدم الصورة الأمنية الايجابية للمملكة. ولم يعد هناك أي مجال لتساهل أو تسامح من اجل ان يحقق بعضهم حفنة من المال ، وإنما العملية أصبحت خطرا داهما بالوطن وأمنه . فهل يعمل هؤلاء في فراغ ؟ أم أن من يتم القبض عليه لا تتم مساءلة من يعرفه أو من كان يقع عليه واجب ردعه عن غيه ؟ أسئلة تحير المرء عن الحاجة إلى ملء الفراغ الوطني في هذه العقول والقلوب الفارغة من مشاعر الانتماء وواجبات الولاء .
غياب واضح لأثر التربية الوطنية تعليما نظاميا وتعزيزا دينيا او تشريبا إعلاميا . لا تمثل هذه الجيوب المنفلتة للمهربين وللمتسللين أو الأسلحة او المخدرات تجارة فردية وإنما أصبحت ثقافة لدى البعض يتباهى بها في شكل سيارته وسلوكه . وبالرغم من أن الشك نافذة الوصول إلى البراهين الأمنية إلا أننا تقاعسنا لفترة ونحن نرى وفق قاعدة " يكاد المريب أن يقول خذوني " أننا لا نتحقق من تلك المركبات التي تجول بالقرب من الحدود بشكل مريب . وفي جانب آخر نعرف مدى الحسم مع من تسول له نفسه العبث بالأمن ، وفي جانب أهم نجد أن الدولة تفتح ذراعيها لكل من عدل عن سلوك مشين . نعود لبيت القصيد لهذه الجيوب أو الثغرات التي يجب أن تحكم معلوماتيا كما هي ولله الحمد محكومة امنيا ؛ فطالما أننا نرصد حركة الغبار في الجو فلنرصد غبار هذه الفئة على الأمن . وسؤال آخر هل يدخل من ضمن آليات العقد الاجتماعي الأمني والقضائي إمكانية استخدام أجهزة التعقب الاليكتروني لكل من يرتكب عمليات تهريب مخلة ومزعزعة للأمن ؟
بعض الدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية تحولت بعض العمليات الأمنية فيها إلى صناعة مساندة للأمن فهناك على سبيل المثال التجريب المستمر لتجهيزات الرصد ومنها تطوير استخدام البالون المزود بالرادار لرصد حركة السفن حول الحدود البحرية والموانئ وهو ما عملته المملكة مع اليمن مؤخرا لرصد حركة السفن المشبوهة في تزويد عصابات الحوثيين بالأسلحة . ولعلنا أيضا نستفيد من تميز بعض المواطنين ممن يعمل في الميدان الأمني في تطوير آليات او أساليب الرصد وربما رسم خارطة لسلوكيات المهربين . فطالما أن هناك عقولا تسعى للخراب والدمار تتفتق بأساليب جديدة فمن باب أولى أن تكون ساحة عقول الخير المبدعة أرحب .
إذاً ما هو الجرجور في عنوان مقال اليوم؟ هو اسم لبلدات في بعض الدول مثل لبنان لكنه بالنسبة لي في هذا المقال مفردة استعرتها من الكهربائيين الذين يستخدمون أنبوبا مختلفا عن باقي الأنابيب يتلوى ويتكيف حسب مصلحة من يوظفه . وتمر من خلاله أشياء لم يكن بالسهولة مرورها لولا وجود الجرجور . وفي مواجهة شراذم الشر يجب ان لا نكتفي بالمواجهة معها فقط وإنما قطع دابر الجرجور الذي تصل من خلاله سموم الأعداء . وهي ليست آتية مباشرة من الأعداء وإنما مع الأسف الشديد تهب رياحها من مناطق الأصدقاء والأشقاء ولعل موقف كتلة الوفاق الشيعية البرلمانية في البحرين والتي رفضت فيه التضامن مع السعودية في مواجهتها مع المعتدين الحوثيين ، وموقف هذه الكتلة لا يعكس موقف الأهل بالبحرين وإنما مواقف بدأت لجماعات تدور في فلك إيران ومن غير المستبعد ان تكون هي أنبوب الجرجور الإيراني في دول الخليج إن لم نتنبه لها مبكرا ؛ فالاستنكارات بحجة الخروج على الإجماع الوطني او مخالفة قيم أهل الخليج عبارات منزوعة الدسم عندما يتعلق الأمر بالأمن . ولتكن احدى قواعد السلوك الأمنية في هذه المرحلة الحرجة في العلاقات مع إيران هي : " من طلب السلامة لزم الاستقامة" ويبقى على الجميع مسؤولية إثبات الاستقامة او متابعتها او حتى مراقبتها؛ فأمن الوطن ليس مجالا للأهواء والتبعات الخارجية .ولنستفد من رؤية الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة السويدي داج همرشولد والتي تتمثل في ان البحث عن الأمن والنمو والازدهار يجب ان لا يتوقف بسنوات سواء بالفوز او الخسارة ، وإنما هي عمليات مستمرة وتجارب تقبل الخطأ والصواب لكنها عمليات لا تقبل التوقف أو التخاذل أو الإهمال .
د. فهد الطياش